تحميل...

تصنيف الإخوان المسلمين كاستحقاق لدفع الثمن بعد الصدمة

ساهر غزاوي
نُشر: 00:23

لا يمكن قراءة القرار الأميركي المتساوق مع التطلعات الإسرائيلية بتصنيف جماعات الإخوان المسلمين في كل من مصر والأردن ولبنان "تنظيمات إرهابية"، بمعزل عن السياق السياسي والأمني الأوسع الذي تشكل في أعقاب حرب غزة وتداعيات السابع من أكتوبر، وما رافقهما من إعادة ترتيب للأولويات والتحالفات في المنطقة والعالم. فالقرار لا يُعبّر عن تقييم قانوني شكلي، بقدر ما يعكس لحظة سياسية مشحونة، يُعاد فيها تعريف "التهديد" بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية، وتُحمل فيها قوى بعينها أثمان مرحلة كاملة.

وفي هذا الإطار، يُفسر استهداف جماعة الإخوان المسلمين تحديدًا بكونها، في نظر النظام الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعهما عدد من أنظمة الدول العربية المنبثقة عن مخطط تقسيم سايكس–بيكو، تمثل تهديدًا من نوع خاص. فالمسألة لا تتعلق بمواقف سياسية ظرفية أو بخيارات تكتيكية آنية، بقدر ما ترتبط بطبيعة المشروع ذاته، بوصفه فكرًا عابرًا للدول والحدود، وشبكة اجتماعية–دعوية قادرة على إعادة إنتاج نفسها في سياقات متعددة، ضمن تصور يتجاوز الإطار المحلي والقطري، ويطرح بديلًا رمزيًّا وسياسيًّا لمنظومة الدولة القُطرية التي يقوم عليها النظام الدولي.

وضمن هذا المنطق، يندرج القرار الأميركي في سياق عملية "هندسة استراتيجية" جديدة للمنطقة، يُعاد من خلالها رسم حدود المقبول والمرفوض سياسيًّا، وتحديد القوى التي يُسمح لها بالعمل في المجال العام، وتلك التي تُقصى وتُجرَّم، في تقاطع واضح مع سياسات دول عربية ترى في الإخوان تهديدًا داخليًّا وتسهم، بدرجات متفاوتة، في الدفع بهذا الاتجاه.

ولا يبدو، في هذا السياق، أن اختيار فروع جماعة الإخوان المسلمين في دول الطوق – مصر والأردن ولبنان – جاء محض صدفة، بل يعكس حساسية الدور المنسوب إليها خلال حرب غزة. فقد جرى تقديم هذه الفروع، في الخطاب الإسرائيلي والأميركي، بوصفها أطرافًا داعمة لغزة، بغض النظر عن طبيعة هذا الدعم أو حدوده. وفي مناخ ما بعد الحرب، يكفي مجرد الانخراط في خطاب إسناد سياسي أو تعبوي أو إنساني لغزة لإدراج الفاعلين ضمن دائرة الاستهداف، لا سيّما حين يتعلق الأمر بقوى تتحرك في دول ملاصقة جغرافيًا لفلسطين، ويُنظر إلى حضورها الاجتماعي وقدرتها على التأثير في الشارع بوصفهما عامل تهديد مضاعف، لا لأمن إسرائيل المباشر فحسب، بل لما يُسمّى "الاستقرار الإقليمي" كما تُعرّفه تل أبيب وحلفاؤها.

إسرائيليًّا، يتجلى هذا التوجه بوضوح في تصريحات المسؤولين الرسميين والخطوات التشريعية المرافقة له. فمشروع القانون الذي تقدّمت به كتلة "عوتسما يهوديت" (القوة اليهودية) بقيادة إيتمار بن غفير، والداعي إلى إعلان الحركة الإسلامية الجنوبية وذراعها الانتخابي "القائمة الموحدة" تنظيمًا محظورًا، يشكل نموذجًا دالًا على هذا المسار. وتستند مسوّغاته، وفق ادعاءات مقدميه، إلى ضرورة حظر كل جهة يُزعم أنها تنقل أموالًا إلى حركة حماس، في إشارة مباشرة إلى جمعية الإغاثة التابعة للحركة الجنوبية، التي تقدم مساعدات إنسانية لأهالي غزة، شأنها شأن عشرات الجمعيات الإغاثية المحلية والدولية.

ومع أهمية الإشارة إلى أن الحركة الإسلامية الجنوبية أكدت، في أكثر من مناسبة، عدم وجود أي علاقة تنظيمية لها بجماعة الإخوان المسلمين، فإن إدراجها في هذا السياق يعكس، إلى حد بعيد، اعتبارات سياسية وانتخابية داخلية، ولا سيّما في ظل توظيف الخطاب الأمني والتحريضي عشية الاستحقاقات الانتخابية، بما يحوّل هذا التوظيف إلى رافعة لمكاسب انتخابية تخدم تركيبة الحكومة الحالية وأجندتها السياسية.

ويأتي هذا التوجه امتدادًا لتصريحات سابقة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أعلن فيها أن إسرائيل أخرجت "جزءًا من الإخوان المسلمين" خارج إطار القانون – في إشارة إلى حظر الحركة الإسلامية عام 2015 – وأنها تعمل على إخراج "الجزء المتبقي" في المرحلة الراهنة. غير أن ما يميّز اللحظة الحالية هو أن الدعوة إلى الحظر تمر عبر الكنيست نفسه، الذي شكل، ولا يزال، الساحة السياسية المركزية للحركة الإسلامية الجنوبية وذراعها الانتخابي. وهو ما يكشف تحوّلًا خطيرًا في قواعد اللعبة السياسية، حيث تُستخدم الأدوات التشريعية ذاتها لإقصاء قوى كانت مندمجة في النظام، وسعت طويلًا إلى الاندماج في المجتمع والسياسة الإسرائيلية تحت ذرائع المشاركة والحماية وبناء "سياج واقٍ"، وهي تظن أنها تُحسن صنعًا وتؤمّن لنفسها شرعية واستقرارًا سياسيًّا، قبل أن يُعاد تعريف "شرعيتها" وفق منطق أمني–أيديولوجي جديد يُقصيها من داخل المنظومة نفسها. 

أما على المستوى الأميركي، فيأتي هذا التوجه في ظل تصاعد نفوذ الحركة المسيحية الصهيونية داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، التي لا تنظر إلى إسرائيل بوصفها حليفًا استراتيجيًّا فحسب، بل مشروعًا عقائديًّا يجب حمايته. ومن هذا المنطلق، تُقدم الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، كخطر مركزي يُوازي، أو يُكمل، الخطر الذي تمثله إيران وحلفاؤها، ضمن تقسيم أيديولوجي–طائفي يخدم الرؤية الأمنية الإسرائيلية.

تاريخيًّا، لا تأتي مثل هذه القرارات في فراغ، فبعد كل حدث كبير هناك من يُطالب بدفع الثمن. بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، لم يقتصر الاستهداف على المسؤولين المباشرين، بل طال المسلمين كجماعة دينية وثقافية عبر سياسات وصم ومراقبة وتشريعات استثنائية. وليس هذا بعيدًا عن الواقع المحلي، إذ جاء حظر الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح عام 2015 عقب أحداث القدس والاعتداءات على المسجد الأقصى، حين أُخرج قرار جاهز من "الجارور" في اللحظة السياسية المناسبة.

واليوم، وبعد السابع من أكتوبر، تتكرر المعادلة ذاتها بصيغة جديدة، فالقرار الأميركي بتصنيف الإخوان المسلمين لا يستهدف تنظيمات بعينها بقدر ما يفتح الباب أمام تعميم الاشتباه وتوسيع دائرة التجريم، بما يطال الحركات الإسلامية والنشاط المدني، بل والمسلمين في الغرب عمومًا. والخطورة هنا لا تكمن في القرار ذاته، بل في ما يؤسس له من انتقال إلى تجريم الأفكار وإعادة تعريف العمل السياسي المقبول وفق منطق أمني إقصائي، بحيث لا يكون المستهدف تنظيمًا محددًا، بل مستقبل الحريات والمجال العام ذاته. ولا يمكن فصل هذا المسار عن تصاعد الخطاب التحريضي ضد المسلمين في أوروبا، بما في ذلك تصريحات وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، التي تسهم في تغذية الإسلاموفوبيا وتندرج ضمن هذا السياق السياسي والإعلامي الأوسع.

...