العلاقات العربية–اليهودية بعد السابع من تشرين الأول: هل من طريق لإعادة البناء؟
شكلت مشاركة يهود يساريين في المظاهرة التي أُقيمت اليوم في مدينة سخنين حدثا سياسيا واجتماعيا ذا دلالات ايجابية ، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه العلاقات العربية–اليهودية في البلاد. ففي زمن يسوده الاستقطاب الحاد والخوف المتبادل، تبرز مثل هذه المشاركة المتواضعه كرسالة واضحة مفادها أن خطاب التطرف ليس قدرا محتوما ، وأن إمكانية الشراكة والعمل المشترك ما زالت قائمة، رغم كل الجراح المفتوحة.
منذ أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخلت العلاقات بين العرب واليهود مرحلة غير مسبوقة من التدهور والقطيعة. سادت حالة من الشك وانعدام الثقة، وتراجعت مساحات الحوار، بينما تصاعد خطاب التحريض والكراهية في الإعلام العبري وكذلك من قبل السياسيين وأعضاء كنيست . وقد استغل اليمين المتطرف أحداث حرب غزه ولبنان لتعزيز نفوذه، فعمل على شيطنة المجتمع العربي، وربط وجوده وحقوقه بمنطق أمني ضيق، الأمر الذي عمق الشرخ وأضعف فرص التعايش العربي اليهودي .
في ظل هذا الواقع، تكتسب العلاقة مع اليهود اليساريين والديمقراطيين أهمية خاصة. فهؤلاء يشكلون رافعة أخلاقية وسياسية داخل المجتمع اليهودي، وهم القادرون على تحدي اليمين المتطرف والتغيير في السياسة والمواقف اتجاه المجتمع العربي . ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي للمجتمع العربي لا يجب أن يقتصر على مخاطبة الرأي العام العالمي، رغم أهميته، بل أن يركز أساسا، على بناء تحالفات داخلية مع القوى اليهودية التي تؤمن بالمساواة والعدالة وحقوق الإنسان للمجتمع العربي .
إن النضال من أجل حقوق المجتمع العربي في هذه البلاد لا يمكن أن يخاض في عزلة. فالتغيير الحقيقي يحدث عندما يتحول هذا النضال إلى قضية مشتركة، يتبناها شركاء يهود يرون في المساواة مصلحة أخلاقية ووطنية، لا تهديدا. ومشاركة هؤلاء في مظاهرات عربية، كما في سخنين، تعكس إدراكا متزايدا بأن الظلم الواقع على العرب لا ينفصل عن تآكل الديمقراطية وتغول اليمين المتطرف على المجتمع بأسره.
نحن، العرب واليهود، نعيش واقعا يوميا مشتركا لا يمكن القفز عنه. نلتقي في أماكن العمل، ونلتقي في الأماكن العامة العامة، وندرس في الجامعات نفسها، ونتعالج في المستشفيات ذاتها. هذه الحياة المشتركة تفرض علينا مسؤولية متبادلة: إما أن نعمل على تنظيمها على أسس سليمة من الاحترام المتبادل، أو نتركها رهينة للصراع والتوتر الدائمين.
إن العيش المشترك الذي ننشده لا يعني طمس الخلافات أو تجاهل الواقع السياسي المعقد، بل يعني إدارة هذا الخلاف بوسائل سلمية سليمة، تحفظ كرامة الإنسان وحقه في الأمن والحرية. فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة، بل بالعدالة، ولا يستقيم دون مساواة ودون شعور متبادل بالانتماء والأمان.
في الختام، تشكل مشاركة اليهود اليسار ولو بشكل متواضع يين في مظاهرة سخنين بارقة أمل في زمن قاتم. فهي تذكير بأن مستقبل هذه البلاد لا يصنع على أيدي دعاة الكراهية والانقسام، بل على أيدي أولئك الذين يؤمنون بأن الشراكة، رغم صعوبتها، هي الطريق الوحيد نحو مجتمع أكثر عدلا وسلاما. إن مسؤوليتنا جميعا، عربا ويهودا، أن نلتقط هذه اللحظة، وأن نحولها إلى مسار مستدام لإصلاح العلاقات وبناء حياة مشتركة تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة والإنسانية لصالح مستقبل أجيالنا في هذه البلاد .
الدكتور صالح نجيدات