اثنان وعشرون جوابًا… وحياة كاملة من الحكمة
ليست الأسئلة الكبرى في الحياة جديدة، لكن القليلين هم من امتلكوا الشجاعة ليجيبوا عنها ببساطة وصدق. ومن بين هؤلاء يبرز المهاتما غاندي، الذي لم يقُد ثورة بالسلاح، بل بالضمير، وترك لنا حكمًا إنسانية تختصر تجربة حياة كاملة، وتصلح لكل زمان ومكان.
يرى غاندي أن أصل كل الشرور هو الأنانية، تلك التي تعمي الإنسان عن رؤية الآخر، وتجعل المصلحة الشخصية فوق القيم والحق. وفي المقابل، يضع مفتاح السعادة في أن يكون الإنسان مفيدًا لغيره، فالعطاء في نظره هو الطريق الأقصر للطمأنينة، وهو ما نفتقده اليوم في عالم يزداد فردانية وقسوة.
وفي زمن تختلط فيه الحقائق وتضيع فيه الثقة، يحذّر غاندي من أخطر إنسان في الحياة: الكذّاب، لأن الكذب يهدم الثقة، وحين تسقط الثقة يتصدّع المجتمع. أما أجمل هدية يمكن أن يتبادلها البشر فهي التسامح، لا بوصفه ضعفًا، بل قوة أخلاقية تحرّر الإنسان من الأحقاد وتفتح باب السلام الداخلي.
وحين تضيق مساحات الأمان، يذكّرنا غاندي أن أفضل ملجأ هو الله، وأن الأهل هم السند الحقيقي في مسيرة الإنسان، وأن المحبة تبقى أجمل ما يمكن أن يجمع القلوب. فالعمل، في فلسفته، ليس عبئًا بل متعة، لأنه يمنح للحياة معناها، ويجعل الإنسان شريكًا في البناء لا متفرجًا على الهدم.
ولا يغفل غاندي عن التذكير بأكبر أسرار الوجود: الموت، الذي يجعلنا ندرك أن أجمل يوم في حياتنا هو هذا اليوم، وأن أسمى شعور يمكن أن نعيشه هو السلام الداخلي. ومن مفارقات الحكمة أن أفضل معلّمينا هم الأطفال، ببساطتهم وصدقهم ونقائهم، وأن الخطأ أسهل ما يمكن أن يقع فيه الإنسان، لكن الخوف هو العقبة الأكبر التي تشل الإرادة.
ويرى غاندي أن التنازل عن المبادئ هو الخطأ الأعظم، وأن الإحباط هو أقسى هزيمة نفسية قد يتعرّض لها الإنسان، بينما يبقى التواصل الإنساني هو الأساس الذي تُبنى عليه الحياة السليمة والمجتمعات المتماسكة.
ويحذّرنا من منطق الانتقام، مؤكدًا أن تطبيق مبدأ العين بالعين لا يقود إلا إلى عمى جماعي، وأن مقابلة الشر بالشر تطيل عمره بدل أن تنهيه. وفي المقابل، يضع الإيمان كأقوى طاقة في حياة الإنسان، ويرى أن الطريق المستقيم هو الأسرع للوصول إلى الأهداف، وأن التفاؤل هو الحماية الأجمل والأكثر فاعلية في مواجهة قسوة العالم.
وفي واقعنا العربي اليوم، حيث تتكاثر الأزمات وتتعاظم التحديات، تبدو هذه الحكم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فقد أنهك الخوف مجتمعاتنا، واستنزف الإحباط طاقات شبابنا، وتراجعت القيم أمام ضغوط السياسة والاقتصاد. وهنا تصبح حكمة غاندي دعوة صريحة للعودة إلى الجوهر الإنساني، وإلى بناء سلام يبدأ من الداخل قبل أن يُطالب به في الخارج.
إن الإصلاح الحقيقي في مجتمعاتنا يبدأ من الإنسان: من الأسرة، من المدرسة، من الحيّ، ومن تحويل القيم إلى سلوك يومي لا إلى شعارات عابرة. فالتفاؤل ليس ترفًا، بل ضرورة، والعمل الصادق مقاومة، والطريق المستقيم ليس الأصعب بل الأقصر، والسلام الداخلي هو الأساس لأي سلام اجتماعي.
إنها اثنان وعشرون جوابًا، لكنها في الحقيقة خريطة حياة، تدعونا لأن نكون أكثر إنسانية، وأصدق مع ذواتنا، وأقرب إلى القيم التي تصنع السلام في قلوبنا ومجتمعاتنا.