تحميل...

القائمة المشتركة: وحدة الضرورة وأسئلة المعنى

رانية مرجية
نُشر: 11:56

القائمة المشتركة: وحدة الضرورة وأسئلة المعنى

بقلم: رانية مرجية

لم تكن إقامة القائمة المشتركة في الداخل الفلسطيني حدثًا سياسيًا عابرًا، ولا يمكن اختزالها في حسابات المقاعد أو موازين القوة داخل الكنيست. لقد جاءت، في أحد أبعادها الجوهرية، استجابةً لحالة طويلة من التفكك السياسي والإنهاك المجتمعي، ومحاولة لإعادة تعريف العمل السياسي الفلسطيني في الداخل على قاعدة الوحدة بوصفها ضرورة، لا خيارًا ظرفيًا.

يواجه الفلسطيني في الداخل واقعًا مركّبًا من الإقصاء البنيوي، والتهميش السياسي، وتآكل الثقة بينه وبين مؤسساته التمثيلية. من هذا السياق تحديدًا وُلدت القائمة المشتركة، بوعدٍ ضمني بإمكانية كسر هذه الحلقة أو الحدّ من آثارها. غير أن هذا الوعد لم يكن تقنيًا أو انتخابيًا فحسب، بل حمل في جوهره سؤالًا أعمق: هل تستطيع الوحدة السياسية أن تتحول إلى مشروع أخلاقي مستدام، لا إلى صيغة شكلية تفرضها الضرورة ثم تُفرغ من مضمونها؟

ما يُنتظر من القائمة المشتركة يتجاوز الأداء البرلماني، على أهميته. فالأزمة القائمة ليست أزمة تمثيل فقط، بل أزمة ثقة عميقة بين الشارع الفلسطيني وقياداته السياسية. وهذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات ولا بالخطاب الموسمي، بل بالثبات والوضوح، وبالقدرة على قول الحقيقة دون مواربة، حتى حين تكون هذه الحقيقة غير مريحة أو غير شعبية.

الوحدة، في الحالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، ليست حالة توافق مثالي ولا انسجامًا مصطنعًا. إنها إدارة واعية للاختلاف، واعتراف بأن التعدد السياسي والفكري جزء من الواقع لا يمكن تجاوزه. غير أن هذا التعدد يتحول إلى عبء حين يُدار بآليات هشّة، أو حين يُستخدم ذريعة لتبرير العجز والانقسام. من هنا، فإن نجاح القائمة المشتركة لا يُقاس فقط بقدرتها على الاستمرار، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى عنصر قوة، لا إلى مصدر شلل أو صراع مكتوم.

كما أن على القائمة المشتركة أن تحافظ على اتصال حيّ بالواقع المعيش للناس، لا بوصفهم جمهورًا انتخابيًا، بل شركاء في الهم والمصير. فقضايا الأرض والمسكن، وتفشي العنف، وتهميش القرى غير المعترف بها، وانسداد أفق الشباب، ومكانة النساء في الحيّز العام، ليست ملفات منفصلة، بل تجليات متعددة لأزمة واحدة، تتطلب رؤية شاملة ومسؤولة، لا حلولًا جزئية ولا خطابًا انتقائيًا.

الخطر الحقيقي الذي يواجه أي تجربة وحدوية لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في التآكل الداخلي، حين تتحول السياسة إلى إدارة توازنات باردة، وتفقد بعدها القيمي. عندها تصبح الوحدة هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة للدفاع عن الحقوق أو صون الكرامة، ويتحول البقاء السياسي إلى غاية، لا إلى أداة تغيير.

لا يُنتظر من القائمة المشتركة أن تُحدث انقلابًا في موازين القوى، فذلك وهم سياسي. لكن يُنتظر منها ألا تُفرغ الأمل من مضمونه، وألا تتحول إلى نسخة أخرى من تجارب خيّبت توقعات الناس. يُنتظر منها أن تكون صادقة مع ذاتها ومع جمهورها، وأن تحافظ على بوصلتها الأخلاقية في فضاء سياسي ضاغط ومليء بالاستقطاب.

لقد شكّلت القائمة المشتركة، في لحظة تاريخية معيّنة، نافذة أمل حقيقية. غير أن الأمل، إن لم يُصن بالمساءلة والنقد والمسؤولية، يتحول سريعًا إلى عبء. لذلك، فإن دعم هذه التجربة لا يعني تعطيل النقد، بل الإصرار على أن تكون على مستوى اللحظة التي وُلدت فيها.

في المحصلة، لا يبحث الفلسطيني في الداخل عن معجزة سياسية، بل عن تمثيل يحترم عقله وكرامته، وعن وحدة تُدار بالمسؤولية لا بالخوف، وتُقاس بما ترفض التنازل عنه، لا فقط بما تحققه.

...