تحميل...

في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح

ليس صومُ الأربعين قبل الفصح برنامجَ تقشّفٍ روحيّ،

ولا استراحةَ ضميرٍ موسميّة.

إنّه تمرينٌ على تفكيكِ الذات،

كي لا تدخلَ القيامةَ مثقلةً

بما لا يُقام.

الأربعونُ في الذاكرة الكتابيّة ليست رقمًا،

بل زمنَ إعادةِ صياغة.

في سفر التكوين

انهمر المطرُ أربعين يومًا،

لا ليُغرقَ الأرضَ فقط،

بل ليُعلنَ أن الفسادَ حين يستشري

يحتاجُ إلى غسلٍ كاملٍ للمعنى.

وفي سفر الخروج

امتدّت البرّيّة أربعين سنة،

لا لأن الطريقَ كان مجهولًا،

بل لأن الحريةَ لا تُعطى دفعةً واحدة،

بل تُنحتُ ببطءٍ

من صخرِ العبوديّة الكامن في الداخل.

صومُ الفصح ينقلُ هذه الأربعين من التاريخ إلى الجسد.

لا برّيّةَ خارجنا،

بل صحراءُ الذات

حين تُسحبُ منها الزينة،

ويُتركُ القلبُ بلا مرايا.

حين دخلَ المسيحُ البرّيّة،

كما يروي إنجيل متى،

لم يُجرَّب بالجوع وحده،

بل بإغراءِ الاختصار:

أن يصيرَ الخبزُ غاية،

والمشهدُ برهانًا،

والسلطةُ بديلًا عن الصليب.

الإغراءُ ذاته يحاصرُ عالمَنا:

اختصر الطريق.

ارفع صوتك.

أثبت نفسك.

لكنّ الصومَ الفصحيّ هو قرارُ البطء.

والبطءُ اليومَ ليس ضعفًا… بل مقاومة.

أن تمتنعَ عن المشاركة في فائضِ الضجيج.

أن لا تتحوّلَ إلى نسخةٍ أكثر حدّةً مما تنتقده.

أن تترك مساحةً للصمت

كي لا يُختنق اللهُ في كثافة أصواتنا.

نحن لا نصومُ عن الطعام فقط،

بل عن وهمِ الامتلاء.

عن الحاجةِ الدائمة إلى أن نكون على حق.

عن اليقينِ المغلق

الذي يضعُ اللهَ في الهامش

والذاتَ في المركز.

في ظلِّ الجلجلة

يتبدّلُ تعريفُ القوّة.

هناك لم يكن الصليبُ استعراضًا،

بل عريًا كاملًا أمام الحقيقة.

المحبّةُ التي لم تدافع عن نفسها

كانت أقوى

من كلِّ خطابٍ دفاعي.

الأربعونُ يومًا ليست حزنًا،

بل شجاعةَ النقص.

أن نتخفّفَ من صورتنا كي نستعيدَ وجهنا.

أن نتخفّفَ من خطابنا كي نصغي.

أن نتخفّفَ من يقيننا كي نؤمن.

الفصحُ لا يبدأ حين يُدحرَج الحجر،

بل حين نجرؤُ نحن

أن نضع أحجارَنا جانبًا:

حجرَ التعالي،

حجرَ الغضب،

حجرَ الخوف من الهشاشة.

القيامةُ ليست ضوءًا خارجيًا مفاجئًا،

بل خفّةً داخلية

تولد في قلبٍ

تعلّم أن يخسر ما ليس ضروريًا.

ذلك هو صومُ الأربعين قبل الفصح:

أن نختار النقصَ في زمنِ التكديس،

والبطءَ في زمنِ اللهاث،

والعمقَ في زمنِ السطح.

لأن القيامة، في جوهرها،

ليست انتصارًا على الآخرين،

بل انتصارًا على ذلك الصوت الداخلي

الذي أقنعنا طويلًا

أننا مكتملون.

أما الفصح الحقيقي،

فهو أن نكتشف — متأخرين أو في الوقت المناسب —

أن الله لم يكن ينتظر كمالنا،

بل شجاعتنا أن نعترف

بأننا بحاجةٍ إليه.

...