تحميل...

عندما تصبح الكرامة مشروطة

رانية مرجية
نُشر: 22:06

عندما تصبح الكرامة مشروطة

في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة

رانية مرجية

في كل عصر، تُعاد صياغة معنى الإنسان بما يتوافق مع روح زمنه.

كان التفوق الجسدي معيار السيادة، ثم أصبح الإنتاج معيار القيمة، أما اليوم فقد صارت الكفاءة العقلية — سرعة التحليل، دقة القرار، القدرة على المنافسة — العملة الأكثر رواجًا في اقتصاد الاعتراف.

غير أن الخطر لا يكمن في تقدير الكفاءة،

بل في تحويلها إلى شرطٍ ضمني للكرامة.

ذوو الإعاقات الذهنية التطورية يقفون في قلب هذا السؤال الأخلاقي.

فهم لا يتحدّون قدرات المجتمع بقدر ما يتحدّون تعريفه للإنسان.

ليس لأنهم خارج القيمة،

بل لأن المعيار ذاته ضيّق.

حين تُربط الكرامة بالقدرة،

يصبح الاعتراف امتيازًا لا حقًا.

نمنح الاحترام بقدر ما يتحقق الإنجاز،

ونوزّع القبول وفق درجات التفوق،

وكأن الإنسان مشروع أداء مستمر.

لكن الكرامة — إن كانت مشروطة — تفقد معناها.

إن الدفاع عن ذوي الإعاقات الذهنية التطورية ليس دفاعًا عن فئة،

بل دفاع عن فكرة غير قابلة للتجزئة:

أن قيمة الإنسان سابقة على قدراته.

فالإنسان ليس رقمًا في تقرير،

ولا وظيفةً في نظام إنتاج،

ولا عقلًا يُقاس بسرعته.

إنه كائن ذو قيمة لأنه موجود.

وإذا كانت القدرات تتفاوت،

فالكرامة لا تتفاوت.

ومع ذلك، تميل المجتمعات الحديثة — في ظل تقديس الأداء — إلى أحد مسارين:

إما الإقصاء الصامت،

أو الشفقة المبطّنة.

الإقصاء يُعلن أن المختلف عبء.

والشفقة تُبقي العلاقة عمودية: قويّ يمنح، وضعيف يتلقى.

أما العدالة، فتعني الاعتراف المتساوي دون افتراض نقصٍ أو تفوق.

ثمة افتراض خفي في كثير من خطابات “الدمج”:

أن المختلف ينبغي أن يقترب قدر الإمكان من النموذج السائد.

أن يُثبت قابليته للانخراط،

أن يبرهن على إنتاجيته،

أن يُطمئن المجتمع بأنه لن يُبطئ إيقاعه.

لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في بطء التعلم،

بل في عبادة السرعة؟

المجتمع الذي لا يستطيع إعادة تعريف النجاح خارج منطق المنافسة،

ولا الاعتراف بأشكال أخرى من الحضور الإنساني،

هو مجتمع متقدم تقنيًا، لكنه لم يحسم أمره أخلاقيًا.

فالاختلاف لا يهدد النظام،

بل يكشف هشاشته حين يعجز عن استيعابه.

الأخطر من ذلك أن ربط الكرامة بالقدرة لا يتوقف عند حدود الإعاقة.

فاليوم يُقصى الأبطأ،

وغدًا يُهمّش الأضعف،

ثم يُستبعد المختلف فكريًا أو ثقافيًا،

إلى أن يصبح الاعتراف الإنساني ذاته امتيازًا قابلًا للسحب.

لهذا، فإن القضية ليست مسألة تعاطف،

ولا سياسات تحسين شروط الحياة فحسب،

بل مسألة تعريف جذري.

إما أن تكون الكرامة حقًا غير مشروط،

وإما أن تتحول إلى مكافأة يمنحها الأقوى.

وفي هذا الاختيار الصامت

يتحدد شكل العالم الذي نبنيه.

فالمجتمع الذي لا يتسع لأضعف أفراده،

لن يتسع — في نهاية المطاف — لأحد.

وذوو الإعاقات الذهنية التطورية

ليسوا هامش النص الإنساني،

بل حدّه الفاصل.

وعند هذا الحد،

يُختبر ضميرنا.

...