تحميل...

ديمقراطية النشر وفوضى النص

د. أحمد كامل
نُشر: 23:47

في العقدين الأخيرين، أحدثت وسائل التواصل الاجتماعيّ تحوّلًا جذريًا في المشهد الثقافيّ والأدبيّ، وأدّت إلى انقلاب هيكليّ في مفهوم الكتابة والنشر. فقد أصبح لكلّ فرد القدرة على الكتابة والنشر والتعبير عن رأيه بحريّة غير مسبوقة، دون الحاجة إلى المرور عبر بوابات الناشر أو الناقد المتخصص، اللذين كانا يشكلان في السابق "الحارس الثقافيّ" للنصّ الأدبيّ. هذا الانفتاح الرقميّ، الذي يبدو في ظاهره مكسبًا حضاريًا، قدّم فرصة للتعبير لكلّ فئات المجتمع، وجعل الصوت الفرديّ مسموعًا بغض النظر عن الخلفيّة الثقافيّة أو التمكّن اللغويّ، وهو إنجاز يستحقّ الثناء.

لكنّ هذه الديمقراطيّة الرقميّة تحمل في طياتها مفارقة عميقة، إذ أنّها في الوقت نفسه أسقطت المعايير التقليديّة التي كانت تضمن جودة النصوص، مما أوجد ما يمكن تسميته بـ "فوضى النصّ". أصبح انتشار النصوص في الفضاء الرقميّ يعتمد بدرجة كبيرة على قوة الانتشار الرقميّ وعدد الإعجابات والمشاركات، وليس على قدرة الكاتب على صياغة النصّ بلغة سليمة أو تقديم رؤية مبتكرة. وهذا يعني أنّ معيار النجاح الأدبيّ لم يعد مرتبطًا بالمعرفة اللغويّة أو العمق الفكريّ أو الإبداع الفنيّ، بل بمدى قدرة النصّ على اجتذاب الانتباه في الفضاء الرقميّ، وهو معيار مؤقت وقابل للتقلّب بسرعة مع أي "ترند" جديد.

وقد أسفرت هذه الظاهرة عن تآكل الحدود بين الهواية والاحتراف، وأصبح من الصعب التفريق بين النصوص الجادّة والنصوص الضعيفة التي حققت انتشارًا واسعًا بسبب أدوات التسويق الرقميّ، لا بفضل قيمتها الفنيّة. لقد باتت بعض المؤسسات الثقافيّة، للأسف، تتأثّر بشكل متزايد بما يعرف بالشرعيّة الجماهيريّة، فتقوم أحيانًا بمنح التكريم أو الجوائز لأعمال لم تستوف المقاييس اللغويّة والأدبيّة التقليديّة، فقط لأنّها لاقت صدًى واسعًا على المنصات الرقميّة. وهكذا، نشهد حالة من التيه القيميّ، حيث يختلط التراث بالجديد، ويستبدل العمق بالسطحيّة، ويحلّ التفاعل الرقميّ محلّ جودة النصّ.

إنّ هذه الفوضى تحمل انعكاسات خطيرة على اللغة والأدب، فقد بدأت بعض النصوص التي لا تلتزم بأبجديات اللغة العربيّة، أو التي تستخدم أساليب مبتذلة، تجد طريقها إلى منصات التكريم والجوائز السنويّة، وهو ما لم يكن ممكنًا قبل ظهور هذه الديمقراطيّة الرقميّة. فالأدب، الذي يفترض أن يكون وعاء للهويّة اللغويّة ومختبرًا للتجديد الفنيّ، أصبح أحيانا، مضيّعًا وسط زخم النصوص السريعة والسطحيّة، حيث تغدو قيمة النصّ في نظر الجمهور مرتبطة بعدد الإعجابات أو المشاركة في التفاعل الرقميّ، لا بقوة الفكرة أو جودة التعبير.

ومن هنا يظهر سؤال جوهريّ : أيّ نوع من الأدب نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟ هل نريد نصوصًا تقدّر لجودتها الفنيّة واللغويّة وعمقها الفكريّ، أم نصوصًا تقدّر فقط لشهرتها الرقميّة أو قدرتها على اجتذاب الجمهور؟ هذه المسألة ليست مجرد نقاش أكاديميّ، لكنّها مسألة وجوديّة تتعلّق بالحفاظ على هويّة اللغة والأدب. فالأجيال القادمة قد تواجه إرثًا أدبيًا ضعيف المستوى، يتّسم بالسطحيّة والتقليد، دون أن يكون له جذور ثقافيّة أو لغويّة متينة.

إنّ الديمقراطيّة في النشر مفيدة بلا شك، لكنّها ليست مطلقة. فهي تصبح مفيدة عندما تقترن بالمسؤوليّة، بالوعي اللغويّ والجماليّ، والحرص على تقديم محتوى يحترم القواعد اللغويّة والأصول البلاغيّة ويعكس تفكيرًا عميقًا. أمّا عندما تتحوّل إلى حريّة مطلقة بلا ضوابط، فإنّها تتحوّل إلى فوضى حقيقيّة، حيث يصبح "الترند" بديلاً عن الجودة، ويصبح الإعجاب معيارًا للتميز، ويغدو النصّ الرصين وكأنّه ضائع بين النصوص السطحيّة، بينما تحتلّ الرداءة مكانًا لم تستحقه.

لعلّ من أبرز مظاهر هذه الفوضى، سيولة اللغة وانتشار الأخطاء اللغويّة والأسلوبيّة. فقد أصبح من الشائع رؤية نصوص مكتوبة بأسلوب غير سليم، مع أخطاء نحويّة وبلاغيّة، ومع ذلك تحقّق انتشارًا واسعًا بسبب أسلوبها الجاذب أو موضوعها المثير للجدل، أو ببساطة لأنّها لاقت ترحيبًا من جمهور رقميّ واسع. وهذا يضع اللغويين والنقاد أمام تحد كبير: كيف يمكن الحفاظ على معايير اللغة والأدب وسط هذه السيولة؟ وكيف يمكن أن تستمر القراءة النقديّة والتذوق الفنيّ في ظلّ انتشار الفوضى؟

والأمر لا يقتصر على اللغة فقط، بل يمتدّ إلى القيم والمبادئ الأدبيّة. فالنصوص التي كانت تعالج قضايا إنسانيّة أو ثقافيّة عميقة وتقدّم رؤية متميّزة، أصبحت في بعض الأحيان تتعرّض للتهميش أمام نصوص أكثر جاذبيّة للجمهور الرقميّ لكنّها فارغة من المعنى أو سطحيّة المحتوى. وهذا يشكّل تهديدًا مباشرًا للثقافة، إذ يمكن أن يؤدّي إلى تآكل الحسّ النقديّ لدى الجمهور، ويقلّل من تقدير الجودة والعمق الأدبيّ.

كما أنّ هذه الفوضى الرقميّة تؤثّر على المؤسسات الثقافيّة الرسميّة. فالجوائز الأدبيّة والمهرجانات التي كانت تحافظ على معايير صارمة أصبحت أحيانًا تتأثّر بما يحقّق شهرة واسعة على وسائل التواصل. وقد يؤدّي هذا إلى تراجع دور المؤسسات ومجامع اللغة العربيّة كحراس للمعايير اللغويّة والجماليّة، ويجعلها مجرّد تابع "للترند" الرقميّ. وعليه، يبدو أنّ الفضاء الرقميّ قد أعاد تشكيل مفهوم الاستحقاق الأدبيّ بشكل كامل: النصّ الناجح ليس بالضرورة نصًا جيدًا فنيًا أو لغويًا، بل هو النص الذي يحقّق شهرة وسرعة انتشار بين الجمهور.

في هذا السياق، لا يمكن التغاضي عن التحديات التي تواجه الأجيال الشابّة. فالجيل الجديد، الذي يعتمد على القراءة الرقميّة والتفاعل السريع، قد يعتاد على نمط نصوص سريعة وسطحيّة، مما قد يقلّل من اهتمامه بالعمق والتأمّل. وهذا يضع الأساتذة والمربين أمام مسؤوليّة إضافيّة: كيف يمكن توجيه الشباب للحفاظ على حبّ القراءة الجادّة، وكيف يمكن غرس احترام اللغة والأدب وسط هذا الزخم الرقميّ؟

إنّ الحلّ ليس في إغلاق أبواب التعبير الحرّ، إنّما في خلق توازن دقيق بين الديمقراطيّة الأدبيّة والحفاظ على الجودة. يمكن تحقيق ذلك عبر تشجيع الكتابة الواعيّة، وتقديم برامج تعليميّة وأدوات تدريبيّة تساعد الكتّاب على تطوير مهاراتهم اللغويّة والفنيّة، مع إبراز النصوص الجادة والمتميّزة، ومكافأتها على أساس الجودة لا الانتشار فقط. كما يمكن للمؤسسات الثقافيّة أن تلعب دورًا فعالاً في وضع معايير واضحة، وتقديم الدعم والتوجيه بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة "للترند" الرقمي.

في النهاية، يجب أن ندرك أنّ الأدب هو وعاء الهويّة اللغويّة والثقافيّة، وأنّ أيّ تقصير في الحفاظ على معاييره يؤدّي إلى فقدان الإرث الثقافيّ. الديمقراطيّة الرقميّة فرصة كبيرة للتعبير والتنوع، لكنّها تصبح مشكلة إذا غابت المعايير وضاعت الهويّة. ولذا، فإنّ التحدّي الأكبر اليوم هو إعادة تعريف مفهوم الاستحقاق الأدبيّ في زمن التواصل الرقميّ، بحيث يجمع بين حريّة التعبير، والوعي اللغويّ، والالتزام بالجودة، مع عدم التضحيّة بالعمق الثقافيّ والفنيّ.

إنّ استمرار هذا الوضع بلا وعي نقديّ، بلا ضوابط لغويّة وجماليّة، يعني أنّ النصوص السطحيّة قد تصبح قاعدة، بينما تبقى النصوص الجادّة هامشيّة، وهذا يشكّل تهديدًا طويل الأمد للأدب وللغة العربيّة نفسها. على المجتمع الثقافيّ أن يدرك أنّ الديمقراطيّة في التعبير لا تعني التهاون في الجودة، وأنّ المسؤوليّة الجماعيّة تجاه الأدب واللغة هي ما يضمن استمرار الثقافة العربيّة بحيويتها وعمقها للأجيال القادمة.

الطيرة – 8.3.2026

 

...