تحميل...

اتحاد أبناء سخنين… درّة التاج في ذاكرة الرياضة والمجتمع

د. غزال أبو
نُشر: 18:58

اتحاد أبناء سخنين… درّة التاج في ذاكرة الرياضة والمجتمع

“بعض الفرق تلعب كرة القدم… أمّا اتحاد أبناء سخنين فقد كتب قصة مجتمع، قصة انتماء وهوية وأمل.”

بتواضعٍ وشعورٍ عميق بالواجب، وقفتُ إلى جانب فريق اتحاد أبناء سخنين في جميع محطاته؛ في لحظات التميّز كما في الأزمات. كنتُ إلى جانب إخوتي وأبناء بلدي الأعزاء، ومع مجتمعنا العربي من المثلث والنقب والجليل والمدن المختلطة، داعمين للفريق ومسيرته.

رافقتُ إدارات الفريق المختلفة عبر السنين، واستقبلتُ كبار الصحفيين الذين جاءوا لتغطية مسيرته. وقد أُنتجت خمسة أفلام عن الفريق تناولت البعد الاجتماعي والسياسي لكرة القدم لدى الأقليات. كما كتب المرحوم جيرالد كاسل مقالات في صحيفة هآرتس عن الفريق، وأخرج فيلمًا بعنوان “لا نملك وطنًا آخر”.

ولا أنسى الأمسيات التي نظمناها في المحطة المحلية نبتون لجمع التبرعات للفريق. قبل نحو عشرين عامًا تبرعتُ بمعاشي، رغم تواضعه في عملي في البلدية. كما استضفتُ في بيتي عددًا من اللاعبين، وخاصة اللاعبين الأجانب.

وسافرتُ مع مجموعة من المشجعين – قرابة ستين شخصًا – إلى نيوكاسل، وكان من بينهم المرحوم ومعلمي الأستاذ جمال غنطوس (أبو سامي)، والمرحوم إبراهيم حسن منصور أبو ريا (أبو نصار)، وأطال الله في عمر الحاج عبد الشعبي (أبو كريم) والحاج خليل بشير. مكثنا ثلاث ليالٍ في لندن ثم توجهنا إلى نيوكاسل لمساندة فريقنا الغالي.

وفي مباراة نهائي كأس الدولة شاركتُ مع الإخوة والمؤسسات وأهل الخير في تنظيم نحو 150 حافلة لنقل المشجعين. وعندما هبط الفريق عام 2006 بكيتُ تأثرًا، فالفريق بالنسبة لنا لم يكن مجرد فريق كرة قدم.

شاركتُ أيضًا في تسويق الفريق والدفاع عنه في وسائل الإعلام العبرية وفي مختلف المحطات. كما شاركتُ في إعداد مشروع الاستاد للجنة الأولمبية في قطر. ورافقتُ الفريق في معظم مبارياته، وأذكر كيف تم تنظيم سفر نحو 100 مشجع إلى القدس مع المبيت ليلة المباراة في فندق الأسوار الذهبية.

وفي المجال الأكاديمي ألّفت كتاب “التربية والرياضة”، ووجّهت خمس رسائل دكتوراه تناولت الفريق من جوانب اجتماعية وتربوية. كما كتبت مقالات عديدة حول العلاقة بين الرياضة والهوية، واستقبلت مجموعات من الأجانب وسفراء وقناصل بهدف تسويق بلدنا ومجتمعنا من خلال الفريق.

وقدّمت دورات استكمال للمعلمين في موضوع الرياضة والتسامح، وشاركت في اصدار كتابًا باللغة الإنجليزية يسرد قصة الفريق ودوره المجتمعي.

ومن منطلق المسؤولية تجاه هذه المسيرة، عملتُ وما زلت أعمل على أرشفة المحطات المهمة في تاريخ فريق اتحاد أبناء سخنين، لأن الفريق ليس مجرد مباريات ونتائج، بل ذاكرة مجتمع وقصة بلدٍ بأكمله. فتوثيق هذه المحطات هو توثيق لمسيرة أجيال من المشجعين واللاعبين والإداريين الذين صنعوا هذه التجربة، حتى تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال القادمة.

كما سعيتُ خلال العقدين الأخيرين إلى تعزيز التقارب بين إدارات الفريق المختلفة ورؤساء البلدية في مختلف الفترات، إيمانًا مني بأن وحدة الصف حول الفريق هي قوة للمجتمع، حتى لو أدّى هذا المسعى أحيانًا إلى بعض الحساسيات.

كل ما قمتُ به كان بدافع الواجب والانتماء. وكم يسعدني أن أرى جماهيرنا الوفية تقف إلى جانب الفريق.

ألف تحية لكم… أنتم الذين تضحّون بوقتكم حبًا لبلدكم وفريقكم ومجتمعكم.

الشكر الكبير لمجتمعنا الذي وقف إلى جانب الفريق عبر السنين؛ بتمنياته وصلواته ودعمه. الشكر للكهل، وللشاب، وللطفل الذي يشتري بطاقة المباراة من مصروفه الخاص. الشكر لكل من يتبرع بشيكل واحد دعمًا للفريق.

فالفريق ليس مجرد لاعبين، بل مؤسسة مجتمعية. لقد ألهم فريق اتحاد أبناء سخنين الأهالي للاهتمام بالرياضة، حتى أصبح في قرانا ومدننا اليوم آلاف الشبان في مدارس كرة القدم، يحلمون بأن يصبحوا لاعبين، ويعمل معهم مئات المدربين بمهنية وإخلاص.

تبقى الرياضة لغة عالمية وجسرًا بين الشعوب. ويروى أنه خلال الحرب العالمية الثانية حدثت هدنة قصيرة بين الجيشين الألماني والإنجليزي، فاجتمع الجنود ولعبوا كرة القدم معًا.

فالرياضة تضع البلد والوطن على الخارطة، وكرة القدم يعشقها الكبير والصغير. ومن خلال أحفادي أرى كيف يتماثلون مع هذا الفريق أو مع فرق أخرى، في عالم أصبح اليوم قرية صغيرة.

وهكذا لم يكن فريق اتحاد أبناء سخنين مجرد فريقٍ يركض لاعبوه خلف كرة في ملعب، بل أصبح قصة مجتمعٍ كامل؛ قصة بلدٍ آمن بأبنائه وبقدرتهم على تحقيق الحلم.

وسيظل اتحاد أبناء سخنين، بفضل جماهيره وأبنائه وكل من دعم مسيرته، درّة التاج في ذاكرة الرياضة والمجتمع، وحكاية تُروى للأبناء والأحفاد عن فريقٍ تجاوز حدود الملعب ليصبح رمزًا للانتماء والأمل.

فالفرق قد تلعب كرة القدم… لكن القليل منها يكتب تاريخ مجتمع.

...