تحميل...

الموت الفجائي: الرسالة التي لم تُقرأ

رانية مرجية
نُشر: 17:53

كان يضحك قبل دقيقة.

ضحكة عادية، بلا أيّ نبوءة. كان يتحدث، يخطط، ويؤجل تفاصيل صغيرة، كأن الحياة تمتد أمامه بلا نهاية.

ثم سقط.

بهذه البساطة التي لا تُحتمل.

لا صرخة، لا تمهيد، لا وداع. فقط فراغٌ مباغت ابتلع كل شيء.

هاتفه ما زال يضيء.

رسالة جديدة وصلت: «وصلت؟»

لكنّه… لن يجيب.

الموت الفجائي ليس نهايةً فحسب، بل انقطاعٌ قاسٍ في نسيج الحياة. هو سرقة للحظة، وللكلمات التي لم تُقال، وللحب الذي أُجِّل، وللأشياء الصغيرة التي ظننا أن وقتها لم يحن بعد.

إنه انهيار وهم «لاحقًا» الذي نعيش عليه. ذلك الوهم الذي يجعلنا نؤجل الاعتذار، ونؤجل الحنان، ونؤجل الحياة نفسها، كأن الزمن ملكٌ لنا.

غير أن الحقيقة أبسط… وأقسى:

لا أحد يملك الغد.

في عالمٍ ازداد اضطرابًا في السنوات الأخيرة، لم يعد الموت احتمالًا بعيدًا، بل صار جزءًا من وعينا اليومي. لم تعد الأسئلة سهلة، ولا الإجابات مطمئنة بالكامل. بين الخوف والرجاء، وبين ما نعرفه وما نجهله، برز شعور عميق بهشاشة الوجود.

لكن وسط هذا القلق، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها:

لسنا مسيطرين بالكامل.

قد نحاول، نحتاط، نبحث عن الأمان، لكن الحياة تظل دائمًا أكبر من كل حساباتنا. والموت الفجائي يذكّرنا، بحدّة لا ترحم، بأن النهاية قد تأتي دون استئذان.

وهنا يتغير السؤال:

ليس كيف نمنع الموت، بل كيف نعيش قبل أن يأتي.

لماذا نؤجل ما يستحق أن يُعاش الآن؟

لماذا نصمت حين يجب أن نتكلم؟

لماذا نعيش بنصف حضور، وكأن لدينا وقتًا لا ينفد؟

ربما لأننا نتجنب مواجهة الحقيقة:

أن كل لحظة قد تكون الأخيرة.

لكن هذه الحقيقة، بدل أن تُخيفنا، يمكن أن توقظنا.

أن تجعلنا أكثر صدقًا، وأكثر حضورًا، وأكثر إنسانية.

أن نقول الآن، لا لاحقًا.

أن نحب الآن، دون انتظار.

أن نعيش اللحظة بكاملها، لا على الهامش.

لأن هناك دائمًا رسالة…

في مكانٍ ما…

لن تُقرأ أبدًا.

فلا تكن أنت…

الرسالة التي تأخرت.

...