تحميل...

تحوّل الدور الأمريكي في المواجهة مع إيران من قوة ضاربة إلى عامل إرباك استراتيجي

1-شهدت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تحوّلًا نوعيًا في موقع الولايات المتحدة الأمريكية، إذ انتقلت  في سياق تدخلها المباشر من موقع القوة الإمبريالية الضاربة إلى عنصر تعقيد، بل وعبء استراتيجي على مسار تحقيق الأهداف المعلنة. هذا التحول لا يرتبط فقط بميزان القوى التقليدي، بل بطبيعة البيئة الإقليمية وآليات الاشتباك غير المتماثل التي تتقنها إيران.

2-تقليديًا، مثّل التدخل الأمريكي عنصر ردع حاسم، إلا أن دخوله المباشر في هذه المواجهة أعاد تشكيل قواعد اللعبة. فقد وفّر لإيران غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا لتوسيع نطاق ردها، ليس فقط ضد إسرائيل، بل أيضًا ضد الوجود العسكري الأمريكي المنتشر في المنطقة. وهنا تكمن المفارقة: ما كان يُفترض أن يكون عامل ردع، تحوّل إلى هدف بحد ذاته، ما أتاح لطهران نقل المعركة إلى مستوى إقليمي أوسع.

3-أحد أبرز تجليات هذا التحول يتمثل في قدرة إيران على استثمار الوجود الأمريكي لضرب القواعد العسكرية في الخليج والعراق وسوريا، وخلق حالة استنزاف مستمر. إضافة إلى ذلك، استطاعت طهران توظيف موقعها الجيوسياسي في مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، مهددةً تدفق ما يزيد عن 20% من إمدادات الطاقة العالمية. هذا التهديد لم يكن ليحظى بنفس الزخم أو الشرعية لولا وجود طرف دولي مباشر في المواجهة.

4-وهنا تبرز نقطة تحليلية أعمق: ليس كل عناصر القوة في النظام الدولي تُصنع بالتكنولوجيا أو التفوق العسكري. فبعض مصادر القوة “الطبيعية” – كالجغرافيا، والموقع الاستراتيجي، والديموغرافيا، والبعد الديني والثقافي – ما زالت تحتفظ بقدرة حاسمة على التأثير. في حالة إيران، فإن تموضعها الجغرافي قرب مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، يمنحها نفوذًا لا يمكن تحييده بسهولة، حتى في ظل فجوة تكنولوجية وعسكرية كبيرة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

5-بمعنى آخر، ورغم أن إيران قد تكون متأخرة بعقود في بعض مجالات التكنولوجيا العسكرية، إلا أن موقعها الجغرافي يضعها في مركز ثقل استراتيجي عالمي. القدرة على تهديد ممر يمر عبره نحو خُمس تجارة الطاقة العالمية تمنحها أداة ردع غير تقليدية، لكنها فعّالة للغاية. هذا يوضح أن التفوق العسكري لا يلغي دائمًا تأثير الجغرافيا، بل قد يصبح – في بعض الحالات – أقل قدرة على الحسم عندما يواجه واقعًا جيوسياسيًا معقدًا.

6-كما أن تدخل واشنطن منح إيران فرصة لتوسيع دائرة الضغط لتشمل دول الخليج، ليس فقط عسكريًا بل اقتصاديًا، من خلال التأثير على أسعار النفط والغاز. هذا بدوره يخلق ضغطًا غير مباشر على الحلفاء الغربيين، ويضعف التماسك الدولي الداعم لإسرائيل، ويحوّل الصراع من مواجهة محدودة إلى أزمة طاقة عالمية.

7-في المقابل، يطرح سيناريو افتراضي نفسه بقوة: ماذا لو بقي التدخل الأمريكي في إطار الدعم غير المباشر؟ أي تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي دون انخراط عسكري مباشر. في هذا السيناريو، كان من الممكن لإسرائيل أن تحتفظ بهامش مناورة أوسع، وأن تُبقي المواجهة ضمن نطاق ثنائي أكثر قابلية للضبط. فغياب الهدف الأمريكي المباشر كان سيحدّ من قدرة إيران على توسيع بنك أهدافها، ويقلّص مبرراتها لتدويل الصراع.

8-علاوة على ذلك، فإن قدرة إيران على الرد كانت ستصبح أكثر تقييدًا، خاصة في ظل محدودية أدواتها المباشرة ضد إسرائيل مقارنة بقدرتها على استهداف مصالح أمريكية منتشرة. كما أن إدخال أطراف إقليمية إضافية في الصراع كان سيصبح أكثر صعوبة دون وجود “عدو دولي” جامع يمكن توظيفه تعبويًا وسياسيًا.

9-بناءً على ذلك، يمكن القول إن التدخل الأمريكي المباشر لم يعزز بالضرورة من فرص الحسم، بل أعاد توزيع عناصر القوة بطريقة منحت إيران أدوات ضغط إضافية. وهكذا، تحوّلت واشنطن – في هذا السياق – من قوة حسم إلى عنصر إرباك، ومن رافعة استراتيجية إلى نقطة ضعف يمكن استهدافها وتوظيفها ضمن حسابات الخصم.

10-هذا التحول يعكس حقيقة أعمق في حروب العصر الحديث: التفوق العسكري والتكنولوجي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لحسم الصراعات، خصوصًا عندما يصطدم بعوامل ثابتة كالجغرافيا والهوية والثقافة، التي لا تزال – كما تظهر الحالة الإيرانية – قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة بطرق غير تقليدية اضف الى ذلك أن مثال غزة ليس ببعيد.

الاستاذ فادي عجاوي

عضو المكتب السياسي-القائمة العربية الموحدة

...