تحميل...

حين يُستهدف المقدّس: من كنيسة القيامة إلى المسجد الأقصى… تفكيكٌ ممنهج لـ“الوضع الراهن (الستاتيكو)” في القدس

د. كامل ريان
نُشر: 23:02

لم يكن صباح أحد الشعانين في 29 آذار 2026 يومًا عابرًا في تاريخ القدس، بل لحظة كاشفة لسياسة آخذة في التبلور، تتجاوز حدود الإجراءات الأمنية لتطال جوهر العلاقة بين الإنسان ومقدساته. حين مُنع بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، ومعه حارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو إيلبو، من الوصول إلى كنيسة القيامة للصلاة، لم يكن ذلك مجرد حادثة بروتوكولية أو خلل إداري، بل تعبيرًا صارخًا عن مسار سياسي يضرب في عمق “الوضع الراهن (الستاتيكو)” الذي قام أصلًا لضمان حرية العبادة وصون التوازن الديني في المدينة.

هذا المشهد، بكل ما يحمله من رمزية، لا يمكن عزله عمّا يعيشه المسلمون يوميًا في المسجد الأقصى، حيث تتكرر مشاهد المنع والإبعاد، وتُفرض القيود على المصلين، ويُمنع موظفو الأوقاف الإسلامية من أداء مهامهم، وكأن السياسة ذاتها تُطبّق على المقدّسين معًا، ولكن بأدوات مختلفة، في إطار نهج واحد يستهدف إعادة صياغة “الوضع الراهن (الستاتيكو)” بما يتلاءم مع إرادة السلطة القائمة، لا مع قواعد التاريخ أو أحكام القانون.

لقد نشأ “الوضع الراهن (الستاتيكو)” في ظل الدولة العثمانية، لا كقيدٍ على العبادة، بل كضمانة لها، وجاءت الفرمانات السلطانية، خصوصًا في عهد السلطان عبد المجيد الأول، لتضع أسسًا دقيقة لتنظيم العلاقة بين الطوائف المسيحية داخل كنيسة القيامة، وتمنع النزاعات بينها، وتؤسس لتوازن دقيق يقوم على الاحترام المتبادل والحقوق المكتسبة. لم يكن “الوضع الراهن (الستاتيكو)” يومًا أداة إقصاء، بل كان منظومة حماية، حافظت على استقرار ديني فريد في أكثر بقاع العالم حساسية.

غير أن ما نشهده اليوم يشير إلى انقلاب تدريجي على هذا المفهوم؛ إذ لم يعد “الوضع الراهن (الستاتيكو)” إطارًا يُحترم، بل بات عرضة للتأويل الانتقائي والتجاوز العملي. فحين يُمنع رأس الكنيسة الكاثوليكية في الأرض المقدسة من الصلاة في أحد أهم أعيادها، وحين يُمنع المسلم من الوصول إلى مسجده، فإننا لا نكون أمام خرق موضعي، بل أمام تفكيك ممنهج لمنظومة كاملة، يتم عبر خطوات متراكمة، تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنها في جوهرها مترابطة.

إن خطورة ما جرى لا تكمن فقط في الحدث ذاته، بل في كونه سابقة، والسوابق في القدس ليست تفصيلًا عابرًا، بل هي لبنات تُبنى عليها سياسات لاحقة. فـ“الوضع الراهن (الستاتيكو)” الذي صمد قرونًا، لم يكن ليستمر لولا الالتزام الصارم بعدم المساس به، وأي خرق، مهما بدا محدودًا، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل قواعد اللعبة بالكامل. وما حدث في كنيسة القيامة يُنذر بإمكانية تكراره، وتوسيعه، وتكريسه كأمر واقع، تمامًا كما حدث في حالات عديدة داخل المسجد الأقصى.

ومن زاوية القانون الدولي، فإن هذه الإجراءات تفتقر إلى أي أساس قانوني مشروع؛ فالقدس الشرقية، وفقًا للشرعية الدولية، تُعد أرضًا محتلة، ولا تملك السلطة القائمة بالاحتلال صلاحية تغيير الوضع القائم أو تقييد حرية العبادة. إن مبادئ القانون الدولي، كما كرّسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تضمن لكل إنسان حقه في ممارسة شعائره الدينية دون تدخل أو تقييد، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأماكن مقدسة ذات مكانة عالمية، وبمرجعيات دينية تمثل مئات الملايين من المؤمنين؟

لقد كان الهدف الأصلي من “الوضع الراهن (الستاتيكو)” هو حماية التعددية الدينية، ومنع هيمنة طرف على آخر، وضمان أن تبقى القدس مدينة مفتوحة للعبادة، لا ساحة مغلقة تُدار بقرارات أمنية متقلبة. غير أن ما نشهده اليوم يعكس انتقالًا خطيرًا من منطق الحماية إلى منطق السيطرة، ومن فلسفة التوازن إلى سياسة الإخضاع، حيث تُستخدم أدوات السلطة لإعادة تعريف من يحق له أن يصل، ومتى، وكيف.

إن استهداف المقدّسين، المسيحي والإسلامي، في آنٍ واحد، يكشف أن القضية لم تعد مرتبطة بحادثة بعينها، بل بنهج متكامل يتعامل مع “الوضع الراهن (الستاتيكو)” كعقبة يجب تجاوزها، لا كالتزام يجب احترامه. وهذا ما يجعل من الضروري دق ناقوس الخطر، ليس فقط دفاعًا عن حق ديني، بل حمايةً لنظام تاريخي وقانوني شكّل على مدار قرون نموذجًا نادرًا للتعايش في مدينة تتقاطع فيها العقائد والهويات.

في القدس، لا تُقاس خطورة الأحداث بحجمها المباشر، بل بما تؤسس له من مسارات، وما جرى في أحد الشعانين ليس مجرد حادثة، بل مؤشر على مرحلة جديدة، يُعاد فيها تشكيل العلاقة مع المقدّس، على حساب “الوضع الراهن (الستاتيكو)” الذي لم يكن يومًا تفصيلًا إداريًا، بل كان جوهر الاستقرار الديني في هذه المدينه.

 د. كامل ريان – المختص بشؤون القدس والمسجد الأقصى

...