نحنُ آخرُ الكلام
حينَ تضيقُ الأرضُ بما رحُبتْ،
ونُحاصَرُ بأسمائنا
كما يُحاصَرُ الضوءُ في قنينةِ العتمة،
لا نبحثُ عن نجاةٍ…
بل نرتّبُ المعنى
كي لا نموتَ صامتين.
نحنُ الذينَ
إذا أُغلِقَتِ الجهاتُ كلُّها،
فتحنا في الحنجرةِ نافذةً،
وقلنا للعابرين فينا:
تمهّلوا…
ففي الحرفِ ما يستحقُّ النجاة.
لا تلومونا—
فنحنُ لم نَخترِ هذا الوهجَ،
ولا هذهِ السلاسلَ التي تُجرِّبُ أعناقَنا
كأنَّها تكتبُ تاريخًا من الحديد،
لكنّنا اخترنا
أن لا نكونَ أقلَّ من أصواتِنا.
نحنُ—
في لحظةِ الانكسارِ الكبرى،
لا ننحني،
بل نُعيدُ تعريفَ الوقوف:
أن تقفَ
ولو كانَ السقوطُ أقربَ إليك من نبضِكَ.
نقولُ:
إنَّ الخساراتِ التي لا تُروى
تتحوّلُ إلى موتٍ ثانٍ،
وإنَّ الكلماتِ
حينَ تُقالُ في وجهِ النهاية
تصيرُ بدايةً لا تُهزَم.
نحنُ لسنا ضحايا،
بل رواةُ اللحظةِ الأخيرة،
نُمسكُ بها
كما يُمسكُ الغريقُ بحلمِ اليابسة،
ونصوغُ منها مجدًا
لا يُصادَر.
إذا قيلَ: انتهيتم—
قلنا: نحنُ ابتدأنا الآن،
وإذا أُشهِرَ الصمتُ في وجوهِنا
رفعنا لغتَنا
كسيفٍ لا يصدأ.
نحنُ الذينَ
يكتبونَ أسماءهم
على حافّةِ الفناء،
ثمّ يبتسمون—
كأنَّ الموتَ
مجرّدُ قارئٍ أخير.
فلا تلومونا…
إنْ جعلنا الكلامَ ملاذًا،
فليسَ في هذا الزمنِ
أصدقُ من كلمةٍ
تُقالُ واقفةً
وتسقطُ شامخة.