تحميل...

لماذا نطبع آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: الأزمة الخفيّة للكتاب والقراءة

د. أحمد كامل
نُشر: 23:16

في فضاء عربيّ يتجاوز عدد سكانه أربعمائة مليون إنسان، ما تزال الطبعة الأولى من الكتاب تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف نسخة، ونادرًا ما تتجاوز خمسة آلاف حتى لدى أشهر الكتّاب. هذا الرقم ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل مؤشر كاشف لأزمة عميقة في علاقتنا بالكتاب، تمتد من ضعف الإقبال على القراءة إلى اختلال بنيوي في منظومة الإنتاج والتوزيع، وصولًا إلى غياب سياسات ثقافية فاعلة قادرة على جعل الكتاب جزءًا حيًا من الحياة اليومية.

حين نبدأ من الجذور، نجد أن علاقة الفرد العربي بالقراءة لا تتشكل في بيئة حاضنة لها. فالمدرسة، التي يفترض أن تكون المنطلق الأول لاكتشاف متعة المعرفة، غالبًا ما تقدّم القراءة بوصفها واجبًا ثقيلًا مرتبطًا بالامتحان، لا بوصفها فعلًا حرًا يفتح الأفق ويغذي الخيال. النصوص تُلقَّن، ولا تُعاش، والكتب تُختزل إلى مقررات، لا إلى عوالم. وهكذا يتكوّن وعي مبكر يرى في القراءة عبئًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء المرحلة الدراسية، لا عادة مستمرة تتجدد مع العمر.

وفي البيت، لا يتغير المشهد كثيرًا. فحضور الكتاب في الحياة اليومية باهت أو غائب، وغالبًا ما تُستبدل به وسائل ترفيه أسرع وأقل تطلبًا للتركيز. لا يتعلق الأمر بعداء للكتاب بقدر ما هو غياب لثقافة تُعطيه مكانته الطبيعية. فالطفل الذي لا يرى الكتاب جزءًا من حياة أسرته، يصعب أن يتحول إلى قارئ شغوف في المستقبل. وهكذا تتراكم الفجوة بين الإنسان والكتاب منذ سنواته الأولى، لتظهر لاحقًا في أرقام الطباعة المتواضعة.

لكن الأزمة لا تقف عند حدود التكوين الثقافي، بل تتعمق داخل بنية صناعة النشر نفسها. فالكتاب العربي، حتى بعد أن يُكتب ويُطبع، لا يجد طريقه بسهولة إلى القارئ. شبكات التوزيع تعاني من ضعف وتفكك، والحدود الجغرافية تتحول إلى حواجز ثقافية، فيبقى الكتاب حبيس بلده أو مدينته. وقد يحدث أن يصدر كتاب مهم دون أن يصل إلى جمهور واسع فقط لأن آليات التوزيع عاجزة عن نقله. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بمستويات الدخل، مما يجعل اقتناءها قرارًا ماليًا مؤجلًا أو مستبعدًا لدى كثيرين، فتتراجع المبيعات، ويزداد حذر الناشرين، فتُطبع أعداد محدودة، وتدور الحلقة في مسار مغلق.

ومن زاوية أخرى، تبرز إشكالية اقتصاديات النشر التي لا تُرى بوضوح خارج هذا الوسط. فالناشر لا يحدد عدد النسخ اعتباطًا، بل يبني قراره على تقديرات الطلب وتكاليف الطباعة والمخاطرة. في سوق ضعيف الإقبال، تصبح المغامرة بطباعة أعداد كبيرة مخاطرة غير مأمونة، خاصة في ظل غياب دعم مؤسسي حقيقي. كما أن القرصنة الرقمية تضيف عبئًا آخر، إذ يمكن أن ينتشر الكتاب بصيغة إلكترونية دون عائد يُذكر للكاتب أو الناشر، مما يضعف الحافز على الاستثمار في إنتاج معرفي جاد.

وفي خضم هذه التعقيدات، يطلّ التحول الرقمي كعامل مزدوج التأثير. فمن جهة، أتاح الوصول إلى المعرفة بطرق غير مسبوقة، وفتح المجال أمام جمهور أوسع للاطلاع والقراءة. ومن جهة أخرى، غيّر طبيعة القراءة نفسها. فالنصوص القصيرة، السريعة، والمجزأة أصبحت هي الغالبة، بينما تراجعت القراءة العميقة التي يتطلبها الكتاب. لم يعد القارئ غائبًا بالضرورة، لكنه أصبح قارئًا من نوع مختلف، يميل إلى التصفح السريع أكثر من التعمق، وإلى الاستهلاك اللحظي أكثر من البناء التراكمي للمعرفة. وهنا تبرز مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن وفرة معرفية، لكن هذه الوفرة لا تنعكس بالضرورة في ازدهار الكتاب.

ولا يمكن إغفال الفجوة بين ما يُكتب وما يُقرأ. فبعض الكتّاب يكتبون داخل دوائر ضيقة، بلغة أو موضوعات لا تلامس القارئ العادي، مما يعمّق الشعور بأن الكتاب لا يعبر عن همومه أو أسئلته. وفي المقابل، تميل دور النشر أحيانًا إلى تكرار الأسماء المضمونة أو الأنماط الرائجة، بدل المغامرة بأصوات جديدة أو موضوعات مبتكرة. هكذا يتشكل مشهد ثقافي يميل إلى إعادة إنتاج نفسه، بدل أن يتجدد ويتوسع.

وإذا ما نظرنا إلى السياسات الثقافية، نجد غيابًا واضحًا لرؤية شاملة تدعم الكتاب بوصفه ركيزة أساسية في بناء الوعي. فالمكتبات العامة محدودة أو ضعيفة الحضور، والمبادرات القرائية غالبًا ما تكون موسمية أو فردية، ولا توجد استراتيجيات مستدامة تربط بين التعليم والنشر والمجتمع. في غياب هذا الإطار الداعم، يبقى الكتاب مشروعًا هشًا، يعتمد على جهود متفرقة لا تصنع تحولًا حقيقيًا.

ومع ذلك، فإن هذا الواقع، على قسوته، لا يعني أن التغيير مستحيل. فالمشكلة، وإن بدت معقدة، ليست قدرًا نهائيًا. إعادة بناء العلاقة مع الكتاب تبدأ من إعادة تعريف القراءة نفسها، لا كفعل نخبوي أو نشاط ثانوي، بل كجزء من الحياة اليومية. حين تتحول القراءة إلى عادة، لا إلى استثناء، وعندما يجد القارئ نفسه في ما يقرأ، ويجد الكتاب طريقه إليه بسهولة وبسعر معقول، يمكن أن تتغير المعادلة تدريجيًا.

إن ضآلة أعداد النسخ المطبوعة ليست سوى عرض لمرض أعمق، مرض يصيب بنية الثقافة لا مظاهرها فقط. ومعالجة هذا المرض لا تكون بزيادة الأرقام على أغلفة الكتب، بل بإعادة الاعتبار للكتاب في الوعي الجمعي، وفي السياسات، وفي الحياة اليومية. حينها فقط يمكن أن يتحول الرقم من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف، لا كإنجاز رقمي عابر، بل كدليل على أن الكتاب استعاد مكانته الطبيعية في مجتمع يحتاجه أكثر مما يظن.

...