تحميل...

التصعيد الأميركي والارتباك الإيراني: لحظة مفصلية تعيد رسم ملامح المرحلة/ بقلم: محمد دراوشة

محمّد دراوشة
نُشر: 08:45

تعيش المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها حساسية في السنوات الأخيرة، حيث تتقاطع التحركات العسكرية الأميركية مع تطورات سياسية داخلية في إيران، في مشهد يشي بأننا نقف أمام مرحلة يعاد فيها ترتيب قواعد لعبة الحرب والسلام. وصول حاملة الطائرات الأميركية جورج بوش إلى مياه المنطقة في الأمس لم يكن مجرد خطوة عسكرية روتينية، بل جاء في توقيت يثير الانتباه، خصوصاً مع إعلان رئيس البرلمان الإيراني استقالته من رئاسة وفد المفاوضات مع الولايات المتحدة في باكستان. هذا التزامن يفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يجري خلف الكواليس، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تصعيد محسوب أو نحو إعادة هندسة للمسار التفاوضي.

التحرك الأميركي يحمل رسائل واضحة. واشنطن تدرك أن لحظة التفاوض تتطلب أدوات ضغط إضافية، وأن وجود ثلاث حاملات طائرات في نطاق عمليات واحد يمنحها قدرة أكبر على التأثير في حسابات طهران. هذا النوع من الحشد العسكري لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة تستعد لمواجهة مفتوحة، لكنه يشير إلى رغبة في رفع سقف الردع، وفي تذكير إيران بأن الخيارات العسكرية ليست بعيدة عن الطاولة، حتى لو بقيت الدبلوماسية المسار المفضل. التجارب السابقة تؤكد أن واشنطن تلجأ إلى هذا الأسلوب عندما تريد دفع المفاوضات إلى مسار جديد، أو عندما تشعر بأن الطرف الآخر يحاول كسب الوقت.

في المقابل، تعكس الاستقالة الإيرانية حالة من الارتباك أو إعادة الترتيب داخل المؤسسة السياسية في طهران. التغيير في رئاسة الوفد المفاوض ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر على أن المفاوضات دخلت مرحلة حساسة، أو أن هناك خلافات داخلية حول كيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة. الاستقالة قد تكون محاولة لإعادة تشكيل الوفد بما يتناسب مع توجهات سياسية معينة، أو رغبة في إبعاد شخصيات لا ترغب في تحمّل مسؤولية نتائج قد تكون مثيرة للجدل داخلياً. وفي كل الأحوال، فإن هذا التطور يعكس ديناميكية داخلية غير مستقرة، تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

أما إسرائيل، فتتابع التطورات من زاوية مختلفة. تقارير إعلامية عديدة تشير إلى أن تل أبيب تنظر بقلق لأي تقارب محتمل بين واشنطن وطهران، وترى في أي اتفاق جديد احتمالاً لتغيير موازين القوى في المنطقة. لذلك، تسعى إلى التأثير على الموقف الأميركي عبر القنوات الدبلوماسية والإعلامية، وتكثّف من إبراز المخاطر الأمنية المرتبطة بالملف الإيراني. ورغم ذلك، تبقى القرارات الكبرى في يد واشنطن وطهران، اللتين تحسبان بدقة كلفة أي مواجهة واسعة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو الإقليمي.

في ضوء هذه التطورات، تبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال. السيناريو الأكثر تداولاً في التحليلات هو أن ما يجري يمثل تصعيداً تفاوضياً محسوباً، يستخدم فيه كل طرف أدوات الضغط المتاحة لتحسين موقعه قبل أي اتفاق محتمل. سيناريو آخر يشير إلى أن إيران تعيد ترتيب أوراقها الداخلية استعداداً لمرحلة جديدة من التفاوض. وربما تمارس الولايات المتحدة ضغطاً متزايداً لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات محددة. أما سيناريو التصعيد العسكري الواسع، فرغم حضوره في النقاشات الإقليمية، يبقى الأقل ترجيحاً في التحليلات الدولية، نظراً لكلفته العالية على جميع الأطراف.

في المحصلة، يبدو الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة مفصلية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الحسابات السياسية، وتتشابك فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. وبين هذه الأطراف، تبقى المنطقة معلّقة بين احتمالين: تصعيد محسوب يعيد تشكيل قواعد التفاوض، أو انفراج مشروط يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاهمات. وفي كلتا الحالتين، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه البوصلة.

...