هاتف عمومي! قصة قصيرة
هاتف عمومي!
(قصة قصيرة)
قيصر كبها
انْتَظَرَ امام هاتف عمومي معلق عند منتصف حائط اسمنتي متماسك، متوسطاً هواتف كثيرة معلقة ومشنوقة مثل دزينات كؤوس زجاجية مرتبة نُصِبت على عجل. ما من احد يعرف كنه اختياره لذلك الهاتف العمومي من بين جميع الهواتف المعلقة بتسلسل مدهش على الجدران الاسمنتية الصلبة في تلك الصالة الواقعة اسفل بناية من مباني الجامعة التي يدرس فيها. هذا الاختيار جاء بعدما تجرأ وطلب من صديق له يعمل في مكان تواجد فتاة احلامه ان ينقل اليها رسالة هي عبارة عن قصاصة ورق، سجل عليها رقم ذلك الهاتف الذي يتوسط سرب الهواتف المعلقة، طالبا منها في القُصَاصَة وبالخلاصة ان تتصل به يوم الاثنين المصادف بعد اسبوع، الساعة الثانية بعد الظهر .
لم يكن متيقنا من اتصالها، مع ذلك نهض في ذلك اليوم باكرا وذهب متسللا الى تلك الصالة الحاضنة المُغْدَقَة بالهواتف العمومية، وشرع ينتظر صوت الرنين، وقد حَشَدَ في سبيل ذلك كميات هائلة من الفرح والسرور والحبور والسعد وروائح الورد وعبق العطور إن اتصلت، ومن الإخفاق ومساحة الأسف وخيبة الأمل إنْ هي أحجمت عن الوصل والإتصال.
في تلك الصالة التي تنبعث من سقفها الاضواء الغامرة المنبثقة بسلاطة جامحة من عشرات المصابيح الكهربائية، رغم شحة المرتادين! وقف بمحاذاة ذلك الهاتف العمومي وأسهب في انتظارٍ مرهق ومشوب بالقلق لصوت الرنين كمن ينتظر دقات قلبه في لحظة انفعال شديدة او دقات الساعة على شاشة تلفزيون لتنذرَ بنشرة اخبار مصورة، وكلما اقترب الموعد كلما ازدادت وارتفعت وتيرة دقات قلبه نبضا وخفقانا.
ها هي عقارب ساعته تزحف نحو الساعة الثانية
وهو متوجس ومنهمك ومنغمس في ترقب مخيف ومرعب ولكنه خافقٌ، خفّاقٌ ونابض.
في تمام الساعة الثانية رن جرس الهاتف بصوت مرتفع مزعج نوعا ما، محطما خلجات السكون الشديد الذي ساد الصالة ومخترقا عروات الصمت الثقيل الذي ران في اركانها الهادئة. قفز موضعيا في مكانه، مترنحا من شدة هول وعظمة ومتانة وقوة الرنين، تَلَفّت يمنة ويسرة، ووجد، بل تيقن، ان الهاتف الذي تصْدُر منه تلك الرنات المولولة الصاخبة، هو الهاتف الذي أودع رقمه في الرسالة المزجاة لفتاة احلامه عبر قصاصة الورق.
التقط انفاسه وهو يتصبب عرقا ورفع السماعة وجاء صوت الحبيبة مخمليا ناعما مستدرجا رقيقا وحنونا.
شكرها مرتبكا، لقاء اتصالها، وهو يبتلع مخارج الكلام من شدة التأثر والانفعال.
قال لها متمتما بكلمات متكسرة متهدجة انحصرت على الترحيب: اتصلي يوم الاثنين القادم في ذات الموعد، وتوقف عن الكلام وأعاد السماعة الى مكانها.
ثم اخرج منديله القماشي المُعرورق المُعَرّق الملون والمزركش بخطوط ومربعات ومستطيلات من جيبه ومضى في تجفيف قطرات العرق المتناثرة والعالقة على مساحات شاسعه من وجهه وجسده.
وسار متمايلا، مترنحا ومتثاقلا وهو يشعر بنشوة كبرى.
بعد مرور أسبوع عاد وبكّر في النهوض، ذهب الى تلك الصالة وبدأ ينتظر رنين الهاتف.
وجاء الرنين ملتزما بالموعد قويا متينا صارما وكان مولولا متفرقعا ومتفجرا!
وجاء صوت الحبيبة صادحا مخمليا مترنما، وشكرها بصوت مرتجف متهتك ومتشنج لانها اتصلت ومن فرط سعادته فاته ان يطلب منها، غفلةً منه وإهمالا وتوجسا، معاودة الاتصال في الموعد التالي بعد أسبوع.
وكانت تلك المرة الأخيرة التي سمع فيها ذلك الصوت المُنغّم المُنعّم المُفْعَم الصادح بكل جمال الدنيا، عبر سماعة الهاتف!