تحميل...

إعلان نتنياهو عن مرضه… محاولة جديدة للهروب من الحقيقة

محمد دراوشه
نُشر: 11:20

إعلان نتنياهو عن مرضه… محاولة جديدة للهروب من الحقيقة

بقلم: محمد دراوشه

لم يكن إعلان بنيامين نتنياهو عن إصابته بسرطان البروستاتا حدثًا صحيًا عابرًا، ولا مجرد كشف طبي جاء في سياق طبيعي. بل يبدو كخطوة محسوبة بدقة، جاءت في لحظة سياسية خانقة يعيشها الرجل الذي لطالما عُرف بلقب “الثعلب السياسي” لقدرته على المناورة والالتفاف على الأزمات. لكن هذه المرة، يبدو أن الثعلب محاصر من كل الجهات، وأنه يبحث عن مخرج جديد، ولو كان عبر بوابة المرض.

جاء الإعلان في وقت تتقاطع فيه أزماته القضائية مع تراجع قدرته على استخدام الأدوات التي اعتاد توظيفها للبقاء في السلطة. فبعد أن أصبح واضحًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يمنحه حرية فتح جبهات جديدة في غزة أو لبنان أو إيران، فقد نتنياهو إحدى أهم أوراقه: استخدام الحرب كوسيلة لتأجيل محاكمته أو خلق حالة طوارئ تُجمّد المساءلة.

لقد كان نتنياهو، عبر سنوات طويلة، يتقن اللعب على حافة الهاوية. كلما اقتربت جلسة محاكمة، أو تصاعدت الاحتجاجات ضده، كان يجد طريقة لخلق أزمة أمنية أو سياسية تُعيد ترتيب الأولويات وتؤجل المواجهة. لكن هذه المرة، ومع توقف المسار العسكري، بدا وكأنه يبحث عن “حبكة جديدة” تتيح له كسب الوقت. وهنا ظهر الإعلان الصحي، وكأنه محاولة لفتح باب آخر بعدما أُغلقت الأبواب التي اعتاد استخدامها.

هذا الرجل لم يتردد يومًا في توظيف اللحظات الحساسة لصالحه. لذلك، فإن الكشف عن مرضه في هذا التوقيت يخدم عدة أهداف واضحة:

* إعادة صياغة صورته من قائد محاصر بالاتهامات إلى رجل يواجه تحديًا صحيًا.

* كسب تعاطف شعبي في لحظة تتراجع فيها شعبيته بشكل غير مسبوق.

* خلق مناخ نفسي قد يؤثر على تعامل القضاء معه، أو على الأقل يخفف من حدّة المطالبة بمحاكمته.

* تحويل النقاش العام من مسؤوليته عن القرارات العسكرية والسياسية إلى وضعه الصحي.  نتنياهو يحاول أن يقدّم نفسه كضحية، لا كمسؤول يخضع للمساءلة. 

فهل يخطط نتنياهو للهروب إلى الخارج؟ فمن بين السيناريوهات التي يطرحها بعض المحللين، أن نتنياهو قد يستغل وضعه الصحي للسفر إلى الخارج “للعلاج”، وربما إلى المكان الأكثر أمانًا سياسيًا بالنسبة له: ميامي، حيث يقيم ترامب.

هذا السيناريو، الذي يتداوله البعض، يقوم على فكرة أن نتنياهو قد يحاول خلق حبكة كاملة:

مرض خطير يقود إلى حاجة لعلاج متقدم والى سفر عاجل والى وجوده في حضن حليف سياسي قادر على حمايته من الضغوط القضائية.

إن هذا الثعلب السياسي لا يزال يبحث عن مخرج، حتى لو كان ذلك عبر رحلة علاجية قد تتحول إلى إقامة طويلة خارج البلاد، بعيدًا عن قاعات المحاكم.

مهما كان وضع نتنياهو الصحي، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررًا لتعليق المحاكمة أو تخفيف الاتهامات. فهناك تهم بالفساد والرشوة وخيانة الامانه، اضافةً إلى مسؤوليتة عن قرارات عسكرية وسياسية أدت إلى خسائر إنسانية واسعة في غزة، حيث انه متهم بارتكاب جرائم حرب وفق محكمة العدل الدولية.

إن أي محاولة لاستخدام المرض كوسيلة للهروب من العدالة ليست سوى استمرار لنهج طويل من المراوغة السياسية، ومحاولة جديدة لتأجيل لحظة الحقيقة. فسواء كان الإعلان صحيًا بحتًا أو خطوة سياسية، فإن نتنياهو يقترب من مرحلة لا تنفع فيها المناورات. فالأزمات تتراكم، والخيارات تضيق، والشارع والقضاء يطالبان بإجابات واضحة. وحتى لو حاول الثعلب السياسي الهروب عبر بوابة المرض، فإن الطريق أمامه لم يعد مفتوحًا كما كان في الماضي.

إن المساءلة لا تسقط بالمرض، ولا تُلغى بالتعاطف، ولا تُؤجَّل بحسابات سياسية. فالمسؤولية تبقى مسؤولية، مهما تغيّرت الظروف، ومهما حاول أصحابها إعادة صياغة الرواية.

...